سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح السادس والعشرون | عدد الآيات: 24
يقع هذا الإصحاح تاريخياً في بداية ملك يهوياقيم بن يوشيا. يأمر الله إرميا أن يقف في دار بيت الرب (ساحة الهيكل) ويخاطب القادمين من كل مدن يهوذا للسجود، مشدداً عليه: "لا تنقص كلمة"، لعلهم يسمعون ويرجعون.
نادى إرميا بالرسالة الحازمة: إن لم تسمعوا لتسيروا في شريعتي، "أجعل هذا البيت كشيلوه، وهذه المدينة أجعلها لعنة لكل شعوب الأرض" (وشيلوه هي المدينة التاريخية التي خُرِبت قديماً وفُقِد فيها تابوت العهد).
ما إن أنهى إرميا كلامه، حتى ثار الكهنة والأنبياء الكذبة وكل الشعب الموجودين في الهيكل، وأمسكوا به بغضب عارم صائحين: "تموت موتاً! لماذا تنبأت باسم الرب قائلاً: كشيلوه يكون هذا البيت؟" وتجمع كل الشعب ضد إرميا.
حين سمع رؤساء ووزراء يهوذا بالأمر، صعدوا فوراً من قصر الملك إلى بيت الرب وجلسوا في "باب الرب الجديد" ليعقدوا محكمة طارئة. وقف الكهنة والأنبياء الكذبة ووجهوا التهام الرسمية أمام القضاة والشعب: "حق الموت على هذا الرجل لأنه قد تنبأ ضد هذه المدينة".
وقف إرميا وحيداً ليدافع عن نفسه أمام الرؤساء والشعب بكل شجاعة وهدوء، ولم يتراجع خطوة واحدة بل قال:
"الرب أرسلني لأتنبأ ضد هذا البيت وضد هذه المدينة بكل الكلام الذي سمعتموه. فالآن أصلحوا طرقكم وأعمالكم واسمعوا لصوت الرب إلهكم... أما أنا فهأنذا في أيديكم، اصنعوا بي كما هو حسن ومستقيم في أعينكم. إنكم إن قتلتموني، تجعلون دماً بريئاً على أنفسكم وعلى هذه المدينة"
أحدثت شجاعة إرميا وأمانته هزة في وجدان القضاة (الرؤساء) والشعب، فتغير موقفهم وانحازوا إليه ضد رجال الدين الكذبة، وأعلنوا الحكم: "ليس على هذا الرجل حق الموت، لأنه إنما كلمنا باسم الرب إلهنا".
وقام بعض شيوخ الأرض وقدموا سابقتين قانونيتين وتاريخيتين حسمتا الموقف:
سابقة ميخا المورشتي: تذكروا أنه في أيام الملك البار "حزقيا"، تنبأ ميخا علناً بخراب أورشليم وتحول الهيكل إلى مرملة غابة، ولم يقتله الملك حزقيا بل خاف الرب وتضرع إليه فندم الرب عن الشر.
سابقة أوريا بن شمعيا (النهاية المأساوية): على النقيض، ذكر النص قصة نبي آخر عاصر إرميا يُدعى "أوريا"، تنبأ بمثل كلام إرميا، فطارده الملك الشرير يهوياقيم حتى مصر، وأحسره وقتله بالسيف وطرح جثته في قبور عامة الشعب (ليظهر النص مدى الخطورة التي كان يواجهها إرميا تحت حكم هذا الملك).
وينتهي الإصحاح بظهور شخصية نبيلة أنقذت حياة إرميا: "ولكن يد أحيقام بن شافان كانت مع إرميا لكي لا يُدفع ليد الشعب ليقتلوه".
✳️ التأمل:
يضعنا هذا الإصحاح أمام أروع مواقف "الشجاعة الروحية في مواجهة الموت". إرميا لم يستخدم أساليب ملتوية، ولم يعتذر عن كلامه القاسي ليرضي الجماهير الغاضبة، بل واجه محكمته بعبارة تلخص فلسفة الخدمة: "أنا في أيديكم افعلوا ما شئتم، لكن الحق لا يتغير". هذه الموثوقية والثبات هي التي كسرت كبرياء طغيانهم وغيرت مسار المحاكمة.
الدرس الخطير هنا هو "انقسام القيادة والمقاييس"؛ فنرى رجال الدين (الكهنة والأنبياء الكذبة) هم الأكثر شراسة ورغبة في سفك الدماء والقتل لأن النبوة هددت مصالحهم وسلطتهم الدينية الحصينة، بينما نرى القيادة السياسية المدنية (الرؤساء والشيوخ) والجمهور العادي أكثر إنصافاً وعقلانية واستماعاً للحق.
أما استحضار قصة أوريا النبي فتكشف لنا أن الأمانة لله لا تضمن دائماً نجاة جسدية في هذا العالم؛ فأوريا استشهد وسُحبت جثته، بينما إرميا نجا بفضل تدخلات إلهية وسخرية رجال شرفاء مثل "أحيقام". يعلمنا هذا أن مصائرنا في يد الله وحده؛ فالبعض يُدعى ليشهد للحق بحياته، والبعض يُدعى ليشهد للحق بموته، وفي كلا الحالتين يظل اسم الله ومقاصده هي الغالبة في النهاية.