سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح الخامس والعشرون | عدد الآيات: 38
يأتي هذا الإصحاح في السنة الرابعة لملك يهوياقيم (وهي السنة الأولى لملك نبوخذ نصر ملك بابل)، ويمثل بياناً ختامياً لـ 23 سنة كاملة قضاه إرميا في الوعظ والإنذار (من السنة الثالثة عشرة ليوشيا) دون أن يستمع إليه أحد.
بسبب هذا الصمم الجماعي، يعلن الله قضاءه التاريخي الشهير: سيمد الرب يده ويأخذ جميع عشائر الشمال ونبوخذ نصر (الذي يدعوه الله هنا "عبدي" تنفيذًا لمقاصده) ليخربوا أرض يهوذا، ويبيدوا منها صوت الطرب والفرح ونور السراج.
وهنا تظهر النبوة الرقمية الأهم في السفر:
"وتصير كل هذه الأرض خراباً ودهشاً، وتخدم هذه الأمم ملك بابل سبعين سنة."
ويكمل الرب خطته الزمنية: "ويكون عند تمام السبعين سنة أني أعاقب ملك بابل وتلك الأمة"، فيحول أرض الكلدانيين إلى خراب أبدي جزاء كبريائهم وشرهم.
ثم ينتقل الإصحاح إلى مشهد رمزي كوني مروع، حيث يأمر الله إرميا:
"خذ كأس خمر هذا السخط من يدي، واسقِ جميع الأمم الذين أرسلك إليهم برأسها. فيشربوا ويتزلزلوا ويجنوا من أجل السيف الذي أرسله بينهم."
أخذ إرميا الكأس وسقى الأمم واحدة تلو الأخرى في مسيرة جغرافية دائرية تبدأ من أورشليم ويهوذا، وتمر بمصر، عوص، الفلستيين، أدوم، موآب، عمون، صور وصيدون، وصولاً إلى بابل (التي تُدعى هنا رمزيّاً "شيشخ"). ويؤكد الله أنه لا توجد أمة محصنة: "فهأنذا أبتدئ أسيء إلى المدينة التي دُعي اسمي عليها، فهل تبرأون أنتم؟ لا تبرأون!".
ينتهي الإصحاح بزئير إلهي يشبه الأسد من علياء قدسه، حيث تبلغ الحرب الدبلوماسية ذروتها بـ "شر ينطلق من أمة إلى أمة"، وتتحول الأرض إلى مجزرة وتُترك جثث قادة الشعوب (الرعاة والرؤساء) ملقاة كالسماد على وجه الأرض دون دفن أو عويل.
✳️ التأمل:
يضعنا هذا الإصحاح أمام قانون "سيادة الله على التاريخ والزمن":
تحديد الـ 70 سنة: يوضح أن تأديب الله لشعبه ليس تدميراً عشوائياً بلا نهاية، بل هو خطة منضبطة بميقات محدد. الله يملك ساعة التاريخ؛ يسمح بالألم لفترة محددة بهدف التنقية، وعندما ينتهي الغرض من التأديب، ينهي السبي ويرد شعبه. (هذه النبوة بالذات هي التي درسها دانيال النبي لاحقاً في بابل ليفهم قرب وقت الرجوع).
نبوخذ نصر "عبدي": هذه واحدة من أعمق المفارقات الروحية؛ فنبوخذ نصر ملك وثني وقاسٍ، لكن الله يدعوه "عبدي" ليس لأنه مؤمن، بل لأن الله في سيادته المطلقة يستخدم حتى ملوك الأرض الأشرار كـ "أدوات وتأديب" لتحقيق مقاصده العادلة. الأشرار يتحركون بكبريائهم، لكنهم في النهاية لا يتعدون الحدود التي رسمها الله لهم.
كأس الغضب العام: شرب الأمم من الكأس يرسخ مبدأ "العدالة الشاملة". فالله ليس إلهاً محلياً ليهوذا فقط يُعاقبهم وحدهم وترك بقية العالم يعبث. إن القضاء يبدأ من "بيت الله" (أورشليم) لأن معرفتهم بالحق كانت أكبر، لكنه يمتد ليشمل كل قوى الأرض الفاسدة.
يعلمنا النص أن غضب الله ليس انفعالاً أعمى، بل هو "كأس" ممتلئة بخمر السخط الناتجة عن تراكم الظلم والشر عبر الأجيال، وحين يمتلئ مكيال أي أمة، فلا بد لها أن تشرب الكأس وتواجه حقيقة أعمالها.