سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح الثالث والعشرون | عدد الآيات: 40
يبدأ الإصحاح بـ "ويل" إلهي حاسم ضد قادة الشعب (الرعاة): "ويل للرعاة الذين يهلكون ويبددون غنم رعيّتي، يقول الرب". وبسبب تشتيتهم للشعب، يعلن الله أنه سيتولى بنفسه جمع بقية غنمه من كل الأراضي ويقيم لها رعاة صالحين فلا تخاف بعد ولا تُفقد.
ومن قلب هذا الوعد، ينبثق مشهد مسياني باهر يُعد ذروة الرجاء في السفر:
"ها أيام تأتي، يقول الرب، وأقيم لداود غصناً صديقاً، فيملك ملك وينجح، ويجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا، ويسكن إسرائيل آمناً، وهذا هو اسمه الذي يدعونه به: الرب برّنا."
بعد هذه الأنشودة المبهجة، يتغير مسار الإصحاح بنسبة 180 درجة ليتحول إلى هجوم ضارٍ وشامل يقوده إرميا ضد "الأنبياء والكهنة الكذبة". يصف إرميا كيف انكسر قلبه وارتعدت عظامهم من هول ما يرى في بيت الرب؛ فالأرض امتلأت بالفاسقين، وأنبياء أورشليم صاروا أقبح من أنبياء السامرة الوثنيين، لأنهم زهدوا في الحق وساروا في الكذب وشجعوا أيدي فاعلي الشر لئلا يرجع أحد عن شره.
يضع الله يده على مكمن مأساتهم؛ فهم يسرقون كلام الله ويخترعون رؤى من مخيلتهم ليقولوا للشعب المستهتر بالحق: "يكون لكم سلام.. لا يأتي عليكم شر". يوجه الرب لهم أسئلة توبخ جهلهم بعظمته:
"ألعلي إله من قريب، يقول الرب، ولست إلهاً من بعيد؟ إذا اختبأ إنسان في أماكن مستترة أفما أراه أنا؟ أما أملأ أنا السماوات والأرض، يقول الرب؟"
ثم يصف الله كلمته الحقيقية بالمقارنة مع أحلامهم التافهة بعبارة شهيرة تزلزل القلوب:
"أليست هكذا كلمتي كنار، يقول الرب، وكمطرقة تحطم الصخر؟"
وينتهي الإصحاح بتحذير صارم للشعب والأنبياء من استخدام عبارة "وحي الرب" باستهتار أو سخرية؛ فمن ينسب لله كلاماً باطلاً من ذاته لتحريف كلام الإله الحي، سيعاقبه الله عقاباً شديداً ويجلبه إلى عار أبدي وخزي لا يُنسى.
✳️ التأمل:
يضعنا هذا الإصحاح أمام مقارنة حاسمة بين "الزيف البشري والأمانة الإلهية". النبوة عن "الغصن الصديق" الذي يُدعى "الرب برّنا" (يهوه تسيدكينو) جاءت كـ رد إلهي مباشر على سقوط الملوك الأشرار (مثل كنياه في الإصحاح السابق). عندما يفشل القادة البشر في تحقيق العدل والبر، يتدخل الله ليقيم الملك الحقيقي المفدي؛ وهو نسل داودي يحمل طبيعة إلهية، يحكم ليس بقوة السلاح، بل بالحق والعدل، ليكون هو نفسه "برّاً" لكل من يلتجئ إليه.
أما الهجوم على الأنبياء الكذبة فيكشف عن طبيعة خطية "تزوير المشيئة الإلهية". إن أصعب ما يواجهه المصلحون ليس الأشرار الواضحين، بل القادة الروحيين الذين يتكلمون باسم الله زوراً ليبرروا الخطية ويخدروا ضمائر الناس بوعود سلام كاذبة.
التساؤل الإلهي: "أما أملأ أنا السماوات والأرض؟" ينسف فكرة "الله الموضعي" أو الحصري؛ فالأشرار يظنون أنهم قادرون على ممارسة الفساد في زواياهم المظلمة بعيداً عن عين السماء، لكن الله يعلن حضوراً كلياً يرى ويحصي كل شيء.
أخيراً، يعطينا النص مقياساً لمعرفة الكلمة الحقيقية لله: إنها "كنار ومطرقة". كلام الله الصادق لا يهدف دائماً إلى إرضاء المستمعين أو بعث راحة زائفة فيهم؛ بل هو "نار" تطهر النفس من الشوائب و"مطرقة" تحطم الصخر المتيبس في قلوبنا لتفتحه للتوبة. إذا لم يواجهنا الكلام الروحي بخطايانا ويكسر كبرياءنا، فهو غالباً ليس سوى "أحلام كاذبة" تسرق منا الحق الأبدي.