سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح الرابع والعشرون | عدد الآيات: 10
يأتي هذا الإصحاح في سياق تاريخي محدد: بعد أن سبى نبوخذ نصر الملك يكنيا (كنياه) بن يهوياقيم ورؤساء يهوذا والنجارين والحدادين من أورشليم وجاء بهم إلى بابل. في ذلك الوقت، أرى الرب إرميا رؤيا لسلتي تين موضوعتين أمام هيكل الرب:
السلة الأولى: فيها تين جيد جداً، كالتين الباكور (أوائل الثمار الناضجة).
السلة الثانية: فيها تين رديء جداً، لا يُؤكل من رداءته.
سأل الرب إرميا: "ماذا أنت راءٍ يا إرميا؟"، فأجاب بوصف السلتين. وهنا كشف الرب عن المعنى النبوي المذهل والمخالف للمنطق البشري السائد آنذاك:
على عكس ما كان يظنه الباقون في أورشليم بأن الذين سُبوا هم "المغضوب عليهم"، أعلن الله أن هؤلاء المسبيين هم التين الجيد؛ فقد أرسلهم إلى أرض الكلدانيين "للخير". ووعدهم بوعود مذهلة:
"أجعل عيني عليهم للخير، وأرجعهم إلى هذه الأرض، وأبنيهم ولا أهدمهم، وأغرسهم ولا أقلعهم. وأعطيهم قلباً ليعرفوني أني أنا الرب، فيكونوا لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً، لأنهم يرجعون إليّ بكل قلبهم."
أما الملك صدقيا ورؤساؤه وبقية أورشليم الذين ظنوا أن بقاءهم في المدينة هو علامة رضى الله ونجاتهم، فقد وصفهم الله بـ التين الرديء الذي لا يُؤكل. وتوعدهم بالآتي:
"أسلمهم للقلق والشر في جميع ممالك الأرض، عاراً ومثلاً وهزأة ولعنة في جميع المواضع التي أطردهم إليها. وأرسل عليهم السيف والجوع والوباء حتى يفنوا عن وجه الأرض."
✳️ التأمل:
يقلب هذا الإصحاح "مقاييس الحكم الإنساني" رأساً على عقب. في ذلك الوقت، كان الباقون في أورشليم يشعرون بالفخر والقداسة الزائفة، معتبرين أنفسهم "الناجين" والمسبيين "هالكين". لكن الله يوضح أن "المرور عبر التأديب والألم" هو أحياناً الطريق الوحيد للخير والنمو الروحي.
التأديب كفرصة: المسبيون (التين الجيد) قبلوا قضاء الله وخرجوا من منطقة راحتهم ومن الهيكل الذي دنسوه، فصار السبي لهم "مدرسة للتوبة" وتجديد القلب. الوعد بـ "أعطيهم قلباً ليعرفوني" هو جوهر العهد الجديد؛ حيث لا يكتفي الله بتغيير الظروف الخارجية، بل يغير جوهر الإنسان من الداخل.
الوهم بالسلام: الباقون في أورشليم (التين الرديء) استمروا في كبريائهم ورفضوا الاستماع لإرميا، فظنوا أن نجاتهم الجسدية المؤقتة هي دليل على صواب طريقهم. يعلمنا هذا أن "البقاء في المكان المقدس (أورشليم/الهيكل)" لا يحمي الإنسان إذا كان القلب فاسداً ورافضاً للتوبة.
الدرس الخالد هنا هو أن الله ينظر إلى "الثمر" وليس إلى "الموقع". قد يضعنا الله في "سبي" أو ضيقة لكي يحولنا إلى "تين جيد" مثمر، بينما قد يترك البعض في رغد العيش وهم "تين رديء" ينتظرون القضاء النهائي.
1. التين الجيد: المسبيون إلى بابل2. التين الرديء: الباقون في أورشليم