سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح السابع والعشرون | عدد الآيات: 22
يبدأ الإصحاح تاريخياً في بداية ملك صدقيا بن يوشيا (ملك يهوذا الأخير)، وهو الوقت الذي بدأت فيه ممالك المنطقة تفكر في تشكيل "تحالف عسكري سري" للثورة ضد الإمبراطورية البابلية الصاعدة بقيادة نبوخذنصر.
يأمر الله إرميا بأمر غريب ومحرج للغاية: «اصْنَعْ لِنَفْسِكَ رُبُطاً وَأَنْيَاراً، وَاجْعَلْهَا عَلَى عُنُقِكَ». والنير (Yoke) هو قطعة الخشب الثقيلة التي تُوضع على أعناق الثيران لجر المحراث، وترمز عبوديتها لصاحبها. ارتدى إرميا هذا النير الخشبي وبدأ يسير به في شوارع أورشليم كعبد مُقاد.
كان هناك مؤتمر قمة سياسي سري يُعقد في أورشليم حضره سفراء ومبعوثون من خمس دول مجاورة: أدوم، وموآب، وبني عمون، وصور، وصيدون. أمر الله إرميا أن يذهب إلى هؤلاء السفراء الأجانب ويسلم كل واحد منهم رسالة من "الرب قدير الجنود، إله إسرائيل" ليحملوها إلى ملوكهم.
وكانت الرسالة الصادمة:
«إِنِّي أَنَا صَنَعْتُ الأَرْضَ وَالإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ... وَأَعْطَيْتُهَا لِمَنْ حَسُنَ فِي عَيْنَيَّ. وَالآنَ قَدْ دَفَعْتُ كُلَّ هذه الأَرَاضِي لِيَدِ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ عَبْدِي... فَالْأُمَّةُ وَالْمَمْلَكَةُ الَّتِي لاَ تَضَعُ عُنُقَهَا تَحْتَ نِيرِ مَلِكِ بَابِلَ، فَإِنِّي أُعَاقِبُ تِلْكَ الأُمَّةَ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَاءِ»
حذرهم الله علانية من الاستماع إلى أنبيائهم الكذبة، وعرّافيهم، ومسترقّي السمع لديهم الذين يقولون لهم: "لن تخضعوا لملك بابل"، لأنهم يتنبأون بالكذب ليطردوهم من أراضيهم ويهلكوا. أما الأمة التي تخضع وتستسلم، فتنجو وتستقر في أرضها.
بعد أن سلم السفراء رسائلهم، توجه إرميا بالنير المحيط بعنقه مباشرة إلى الملك صدقيا وقادة يهوذا، ونقل لهم ذات الرسالة بدبلوماسية خالية من المواربة: «أَدْخِلُوا أَعْنَاقَكُمْ تَحْتَ نِيرِ مَلِكِ بَابِلَ وَاخْدِمُوهُ وَشَعْبَهُ وَاحْيَوْا. لِمَاذَا تَمُوتُونَ أَنْتَ وَشَعْبُكَ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَاءِ؟»
كان الأنبياء الكذبة يملأون شوارع أورشليم حماساً مزيفاً، ويؤكدون للملك والشعب أن بابل ستسقط قريباً، وأن "آنية بيت الرب" (الأواني الذهبية والمقدسة التي نهبها نبوخذنصر في الغزوة الأولى أيام الملك يكنيا) سترد سريعاً من بابل.
تحدّاهم إرميا علانية وقال لهم: إن كنتم أنبياء حقاً، ولديكم كلمة الرب، فلا تطلبوا استرداد ما أُخذ، بل «تَضَرَّعُوا إِلَى رَبِّ الْجُنُودِ لِكَيْ لاَ تَذْهَبَ إِلَى بَابِلَ الأَانِيَةُ الْبَاقِيَةُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ»! ثم أعلن نبوة حزينة ومحددة: إن الأواني المتبقية (بما فيها الأعمدة النحاسية الضخمة، والمرحضة النحاسية العظيمة) ستُساق هي الأخرى إلى بابل، وستبقى هناك إلى اليوم الذي يفتقد فيه الله شعبه ويعيدها (وهو ما تحقق حرفياً بعد 70 عاماً على يد كورش ملك فارس).
✳️ التأمل السياسي والروحي:
يقدم لنا هذا الإصحاح مفهوماً لاهوتياً عميقاً حول "سيادة الله على التاريخ الجغرافي والسياسي". الله يعلن أنه الخالق، وبالتالي له الحق المطلق في تمليك الأرض لمن يشاء، ونزعها ممن يشاء. الغريب هنا أنه يصف الإمبراطور الوثني نبوخذنصر بـ "عبدي"؛ ليس لأن نبوخذنصر مؤمن أو بار، بل لأنه أداة في يد الله لتأديب الممالك المتكبرة.
أما "نير إرميا" فيمثل قمة التضحية بالكرامة الشخصية في سبيل الرسالة. تخيل نبياً محترماً يسير في قمة دبلوماسية دولية واضعاً خشبة الثيران على عنقه ليمثل ذل العبودية أمام وزراء وسفراء أجانب! لقد اختار إرميا أن يبدو أحمقاً أو ذليلاً أمام الملوك، على أن يغشهم بوطنية كاذبة أو أمل زائف.
الدرس الأقوى هنا هو التمييز بين "التسليم الحكيم والتمرد الانتحاري". في بعض الأحيان، يكون الاعتراف بالخطأ والقبول بالتأديب (وضع العنق تحت النير البابلي) هو الطريق الوحيد للنجاة والحياة. الأنبياء الكذبة كانوا ينادون بـ"استقلال زائف" و"مقاومة عسكرية" تبدو في ظاهرها بطولية، لكنها كانت في جوهرها تمرداً على قضاء الله العادل، مما قاد الأمة في النهاية إلى كارثة إبادة شاملة.