سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح الثالث عشر | عدد الآيات: 27
يبدأ الإصحاح بأمر إلهي غريب لإرميا؛ حيث يطلب منه الرب أن يشتري "منطقة من كتان" (حزاماً كتانياً يُلف حول الخصر) ويلبسها دون أن يمسها الماء. ثم يأتي الأمر الثاني: أن يأخذ الحزام ويسافر إلى نهر الفرات ويدفنه هناك في شق صخرة. وبعد أيام كثيرة، أمره الرب بالعودة واستخراج الحزام، فذهب وحفر:
"فإذا بالمنطقة قد فسدت! لا تصلح لشيء!"
هنا يشرح الله لغز هذا العمل الرمزي: الحزام يمثل بيت إسرائيل وبيت يهوذا الذين التصقوا بالرب كما يلتصق الحزام بخصر الإنسان ليكونوا له "شعباً واسماً وفخراً"، لكنهم رفضوا الاستماع وذهبوا وراء أوثانهم. والآن، يعلن الرب: "هكذا أُفسد كبرياء يهوذا، وكبرياء أورشليم العظيم".
ثم يقدم الله مثلاً توضيحياً آخر؛ يأمر إرميا أن يقول للشعب: "كل زق (وعاء جلدي للخمر) يمتلئ خمراً". فيجيبه الشعب بسخرية: "أما نعرف معرفة أن كل زق يمتلئ خمراً؟ ما الجديد في هذا؟". فيصدمهم الرب بالتفسير: سأملأ جميع سكان هذه الأرض، والملوك الجالسين على كرسي داود، والكهنة والأنبياء "سكراً"، وأحطمهم الواحد ضد الآخر، الآباء والأبناء معاً، دون شفقة أو رحمة.
يوجه إرميا نداءً أخيراً للملك (يهوياكين) والملكة الأم (نحوشتا) أن يتواضعوا لأن تيجان مجدهم ستسقط، وأن مدن الجنوب قد أُغلقت وليس من يفتحها، لأن يهوذا كُلها ستُسبى سبياً كاملاً. ويختم الإصحاح بعبارة تكشف صعوبة وامتناع توبة هذا الشعب الذي تغلغل الشر في طبيعته:
"هل يغيّر الكوشي جلده أو النمر رقطه؟ فأنتم أيضاً تقدرون أن تصنعوا خيراً وأنتم متعلمون الشر!"
✳️ التأمل:يضعنا هذا الإصحاح أمام دروس روحية عميقة من خلال تشبيه "المنطقة الكتانية"؛ فالإنسان خُلق ليلتصق بالله كالحزام، فيستمد منه قدسيته وقيمته وجماله. لكن عندما يقرر الإنسان الانفصال عن الله والاندفان في تراب شهوات العالم، فإنه "يفسد ولا يصلح لشيء"، ويفقد الهدف الحقيقي من وجوده.
أما مثل "الزقاق الممتلئة سكراً" فيعكس حالة ديدن الخطية؛ فالشعب الذي سكر بخمر الأوثان والشهوات والغرور، سيسقيه الله "خمر الغضب والتأديب" ليفقد اتزانه ويحطم بعضه بعضاً بالانقسامات والحروب الداخلية قبل أن يجهز عليهم العدو الخارجي.
أخيراً، عبارة "هل يغيّر النمر رقطه؟" لا تعني أن التوبة مستحيلة، بل تصف بأسلوب بلاغي خطورة "عادة الشر"؛ فالإصرار الطويل على الخطية يحولها من "فعل عابر" إلى "طبيعة متأصلة" في الإنسان يصعب نزعها بالوسائل البشرية، وتحتاج إلى مبضع جراحي إلهي وتأديب شديد ليرد النفس إلى صوابها.
هل ننتقل للإصحاح الرابع عشر لنرى كيف يضرب الجفاف والقحط الشديد أرض يهوذا، وكيف يقف إرميا وسيطاً شفيعاً باكياً، بينما يأبى الله أن يستمع بسبب عمق المعصية؟