سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح الثاني عشر | عدد الآيات: 17
يبدأ الإصحاح بمقدمة مهذبة لكنها جريئة من إرميا، حيث يقف أمام الله كمحامٍ يطرح قضية ساخنة:
"أبر أنت يا رب من أن أخاصمك، ولكن أكلمك من جهة أحكامك: لماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن كل الغادرين غدراً! غدستهم فنبتوا، نموا وأثمروا ثمراً. أنت قريب من فمهم وبعيد من كلاهم."
يشكو إرميا من رياء هؤلاء الأشرار (وخاصة أقرباءه في عناتوث) الذين يستغلون جود الله بينما قلوبهم مبتعدة، ويطلب من الله أن يفرزهم كغنم للذبح بسبب الجفاف والخراب الذي حل بالأرض جراء شرهم.
لكن الجواب الإلهي لم يكن بالطريقة التي توقعها إرميا؛ لم يطبطب الله عليه، بل وجه له تحدياً يطالبه برفع مستوى قدرته على الاحتمال:
"إن ركضت مع المشاة فأتعبوك، فكيف تجاري الخيل؟ وإن كنت منبطحاً (آمناً) في أرض السلام، فكيف تصنع في كبرياء الأردن؟"ويكشف له الرب أن أقرب الناس إليه، حتى "بيت أبيه"، قد غدروا به وصاحوا وراءه بصوت عالٍ، محذراً إياه ألا يأتمنهم وإن كلموه بالخير.
ثم يتحول الله لوصف مشاعره كـ"محب مجروح"، معلناً تخليه عن بيته وميراثه بسبب تمردهم: "قد تركت بيتي، رفضت ميراثي، دفعت حبيبة نفسي ليد أعدائها". لقد صارت رعيته كـ"أسد في الوعر" يزأر ضد الله، وكـ"جوارح ملونة" تكالبت عليها الطيور الكاسرة.
وفي نهاية الإصحاح، يوسع الله الدائرة ليتحدث عن "جيرانه الأشرار" (الأمم المحيطة مثل موآب وعمون) الذين لمسوا ميراث إسرائيل؛ فيهسدهم الله من أرضهم، ولكنه يعود ويعد بـرحمة مستقبلية مذهلة: إذا تعلمت هذه الأمم طرق شعب الله وحلفت باسمه بصدق، "فإنهم يُبنون في وسط شعبي"، أما من يرفض الاستماع فيُباد إبادة.
✳️ التأمل:هذا الإصحاح يواجهنا بـ"سيكولوجية الخدمة والحياة مع الله". تساؤل إرميا يعكس ضعفنا الإنساني عندما نرى الغادرين والمنافقين يزدهرون وينجحون ماديّاً ("غدستهم فنبتوا"). الله لا يقمع تساؤلاتنا، لكنه يغير زاوية رؤيتنا.
معادلة "المشاة والخيل" هي درس خالد في بناء الصلابة الروحية؛ فالله يقول لإرميا ما معناه: "إذا كنت قد تعبت من مضايقات أهل قريتك الصغيرة (المشاة)، فكيف ستصمد عندما تواجه الملوك والجيوش في أورشليم (الخيل)؟". الله لا يرفع الضغوط عن أتباعه دائماً، بل يزيد من قوتهم وقدرتهم على الاحتمال. يعلمنا النص أيضاً أن مشاعر الله تجاه شعبه ليست حيادية؛ فعبارة "حبيبة نفسي" تظهر كم يتألم الله وهو يسمح بتأديبهم، وأن غايته النهائية—حتى مع الأمم الغريبة—هي البناء والرحمة لكل من يقبل أن يتغير ويتعلم طرق الحق.
الآن، يريد الله أن يعطي إرميا درساً توضيحياً بالتمثيل الحركي.. هل ننتقل للإصحاح الثالث عشر لنرى قصة "المنطقة الكتانية" التي دفنها إرميا عند نهر الفرات؟