كان بطل قصتنا يعشق أفلام الرعب منذ صغره، كانت تجري في دمه كـ"نيكوتين" حياته، وتمنحها معنى خاصًا. كان ينتظر ليلة الخميس بفارغ الصبر، ليس للنوم أو الراحة، بل لمشاهدة أحدث وأجدد أفلام الرعب التي تُذاع على قناته المفضلة. كان يستعد لهذه الجلسات بعناية، حتى أنه يجهز كوب الفشار الخاص به. في إحدى هذه الليالي المثيرة، شق صوت دقات ساعة الحائط سكون الليل، معلنًا عن منتصفه، وبداية أكثر الأوقات إثارة وتشويقًا بالنسبة له. بدأ الفيلم الذي يحكي قصة فتاة أصبحت نقمة على أمها. أظهرت الكاميرا طفلة صغيرة تجلس وحدها على كرسيها المخصص، مقيدة بحبل سميك، تحمل دميتها وتشاهد الرسوم المتحركة. أمها كانت في المطبخ تجهز العشاء، الذي اتضح لاحقًا أنه "العشاء الأخير". انقطع التيار الكهربائي للحظة بسيطة، وعندما عاد، انقلب المشهد رأسًا على عقب. الأم التي كانت تحمل صينية الطعام، افترشت الصينية والأكل الأرض، بينما كانت الأم نفسها تطفو على الأرض ببضع سنتيمترات، متدلية من السقف بحبل مربوط بإحكام حول رقبتها ويديها وقدميها، تتلوى في الهواء. الكاميرا ارتفعت لتظهر الفتاة الصغيرة تقف بثبات أمام شاشة التلفاز. التفتت الفتاة نحو الكاميرا ببطء شديد، وكأنها منومة مغناطيسيًا، وظهرت ابتسامتها الشريرة ونواجذها وحاجبيها المنكسرين، وعينيها الزرقاوين المرعبتين، وشعرها الأسود المتطاير. شعر الراوي بإفراز هرمونات السعادة في رأسه، مضيفًا إثارة أكبر للجو الذي لم يتخيله قط. مرت تسع سنوات. الفتاة أصبحت مراهقة فاتنة في التاسعة عشرة من عمرها. لم تكن تخرج من بيتها إلا لهدف وحيد: جلب ذكر بالغ لا يتعدى عمره الخامسة والعشرين بهدف الغواية، لكن الأهم كان ما يحدث بعد انتهاء "نزوتها الشيطانية" غير المسبوقة. كانت تستمتع بكوب الفشار خلال هذه المشاهد، مؤمنًا بقواه الخارقة التي تحمي جسده وعقله من الآثار الضارة لمشاهدة أشياء غير مألوفة. في ليلة باردة من ليالي كانون الثاني (يناير)، كانت الفتاة تسير في الشارع بوتيرة أسرع من المعتاد. لمحت شابًا في بداية العشرينيات يقترب منها. ابتسمت له ابتسامة خبيثة، ثم سارت بجانبه عائدين إلى بيتها، المكان المخصص للإلتقاء. دخل الفتى البيت عازمًا على فعل ما يتمناه قلبه، منتظرًا هذه الفرصة. دلفت الفتاة إلى غرفتها لتجهز نفسها بشكل مغرٍ، بينما ظل الفتى جالسًا في الصالة يرتجف قدميه بتوتر بالغ، إنها المرة الأولى التي يكون فيها وحده مع فتاة بمثل جمالها. انتظر قرابة الساعة حتى انتهت من التجهيز. هذه العادة اكتسبتها من أمها المنتحرة، بل الأدق، من قتلتها بيديها. سمعت الفتاة صراخ الفتى قادمًا من الصالة وأسرعت لترى ما يحدث. رأت شيئًا آخر لم تتوقع حدوثه حينها. الفتى كان يقف في منتصف الصالة، في منتصف نجمة خماسية حولها دائرتان بلون الدم. ذراعه الأيمن مشقوق طوليًا والدماء تنزف منه، رأسه مرفوعًا لأعلى وعينيه تتوهجان بوهج أبيض غريب. لاحظت الفتاة أن كيانًا آخر يتحكم فيه. اتخذت وضعية الهجوم وانحنت قليلاً للخلف ووجهت يديها نحو الفتى الممسوس. لكنها ما إن حطت بقدمها على طرف دائرة الدم حتى أصابتها صاعقة كهربائية. صدح في جو الشقة الخانق ضحكات شيطانية لسيدة ذات صوت حاد رقيق. ضغطت الفتاة على أذنيها من شدة الصوت. ثم بدأت أمها بالظهور أمامها، كشبح مرئي، امرأة فائقة الجمال بشعر ذهبي يتطاير خلفها. إنها أمها التي قتلتها!. لم تستطع الفتاة منع نفسها من الغضب منها؛ فالأم لم تكن تكنّ لها سوى الكره والبغض طوال حياتها، ولم تعاملها كفتاة صغيرة، بل كأداة لجلب الذكور لإطفاء نزوتها السادية. الأم كانت تقدس زوجها لدرجة أنها قتلته دون أن تقصد. لم تسامح نفسها واستجلبت روحه في الذكرى السنوية لمولده، وتحديدًا في جسد أي ذكر يبلغ من العمر 35 سنة، وهو عمر زوجها. هذا الذكر كان طفلة زوجها، وليس طفلتها بشكل مباشر. كان لديها علم غزير بالخوارق والماورائيات وعالم الجان. استخدمت تعويذة لتحويل الفتاة من طفلة مرحة إلى فتاة جامدة الملامح بعيون فضية، خالية من الحياة. لسنوات عديدة، باتت الفتاة في حالة سكون تام، لا تأكل إلا القليل ولا تنام كثيرًا ولا تمارس حياتها كما كانت تفعل سابقًا. حاولت الفتاة قتل أمها وهي نائمة في ليلة من الليالي، لكن الأم دافعت عن نفسها ودفعت الفتاة بعيدًا. ومنذ ذلك الوقت، والفتاة مقيدة لكرسيها الصغير. عادت الأم كشبح للانتقام من غريمتها وابنتها الشيطانة التي كانت سبب كل ما يحدث لها الآن. بدأت الشيطانة تستحضر روحها بنفسها. ارتفعت قليلاً عن أرضية الصالة واختفت معالم الفتاة، وظهر أبشع وجه رأته الراوي في حياته: وجه أحمر دميم مليء بالبثور السوداء، بعينين غائرتين تتلونان بشكل مخيف بدم أخضر، وأنف مبتور، وأنياب بارزة بدون شفاه. شعرها الأسود تحول في لحظة لرماد وفي اللحظة الموالية كساها شعر أحمر ناري تتطاير منه...