تُصنف رواية «السمان والخريف» (الصادرة عام 1962) للأديب العالمي نجيب محفوظ ضمن رواياته ذات النزعة الفلسفية والوجودية العميقة، حيث تجاوز فيها المذهب الطبيعي ليصيغ لوناً فريداً من "الواقعية الوجودية" التي ترسم مأساة الإنسان المغترب الضائع في هذا العالم. وتدور أحداث الرواية حول فكرة الاغتراب وتأثير الواقع السياسي والاجتماعي المتغير بسرعة عقب حريق القاهرة وثورة يوليو 1952، متخذةً من بطلها «عيسى الدباغ» نموذجاً حياً لتهاوي المجد وتفتت الذات. فقد كان عيسى موظفاً مرموقاً وقيادياً شاباً في حزب الوفد، تفصله خطوات عن وكالة الوزارة وعن الزواج من ابنة أحد الباشوات، لكن الثورة تطيح بنظامه القديم، ليُفصل من عمله بقرار من "لجنة التطهير" إثر تهم كسب غير مشروع، وتتخلى عنه خطيبته، فيجد نفسه فجأة بلا منصب، ولا جاه، ولا دور، يشعر بأنه زائد عن الحاجة كـ "الزائدة الدودية".
وأمام وطأة الفراغ الساحق وقسوة "موت الأحياء"، يهرب عيسى إلى الإسكندرية ليعيش حياة عزلة اختيارية وتيه غريزي يتنقل فيه بين القمار، ولعبة النرد، والملذات العابرة لتسكين آلامه؛ حيث يقيم علاقة مع فتاة الليل «ريري»، لكنه يطردها بقسوة حين يكتشف أنها تحمل في أحشائها طفلاً منه، هرباً من تحمل مسؤولية الخلق أو التأثير في هذا العالم الجديد الذي لفظه. وتتجلى العبقرية الفنية لمحفوظ في توظيف الطقس ورمزية "السمان" المهاجر الذي يفر من صقيع أوروبا باحثاً عن الدفء، ليتساقط صريعاً على شواطئ الإسكندرية في الخريف، كمعادل موضوعي دقيق لانكسار عيسى وهزيمته في خريف عمره. ورغم هذه العتمة الوجودية، يختتم محفوظ روايته بلمحة أمل رمزية؛ فبينما يجلس عيسى وحيداً في عزلته المظلمة تحت تمثال سعد زغلول متمسكاً بخيوط الماضي، يظهر شاب ثوري مجهول يحمل وردة، فيقرر عيسى في نشوة حماس مفاجئة ألا يتردد، وينتفض ليلحق بخطوات الشاب متجهاً نحو المستقبل وتاركاً وراءه الوحدة والظلام.
This podcast includes content produced or editorially adapted under a mix of owned rights and lawful use.
We respect intellectual property and review any documented rights inquiry.
Rights contact: hello@podcastrecord.co
Hosted by Simplecast, an AdsWizz company. See pcm.adswizz.com for information about our collection and use of personal data for advertising.