يَا مَنْ أَضَاعَ نَفْسَهُ فِي قَيْدِهِ لِمَ تَشْكُو الْقُيُودَ وَأَنْتَ الَّذِي صَنَعْتَهَا؟ وَتَلْعَنُ السُّجُونَ وَأَنْتَ الَّذِي شَيَّدْتَهَا؟ ... مَنْ قالَ إِنَّكَ وُلِدْتَ لِتَبْقَى مُقَيَّدًا؟ مَنْ أَوْهَمَكَ أَنَّ القَفَصَ دارُكَ؟ وَمَنْ أَقْنَعَكَ أَنَّ الخَوْفَ نَجاةٌ؟ تُسَمِّي خَوْفَكَ حِكْمَة وَعَجْزَكَ قَدَرًا وَتَرْضَى بِذُلِّكَ ثُمَّ تَشْتَكِي مِنْ نَفْسِكَ؟ أَفِق فَأَنْتَ السَّجَّانُ وَالمَسْجون وَأَنْتَ الحاكِمُ وَأَنْتَ المَحْكومُ آهْ يا زَماني اه وكم اه كَمْ مِنْ سِنينٍ ضاعَتْ مِنِّ وَأَنا السَّجينُ وَمِفْتاحي بِيَدي وَأَخْشَى الخُروجَ… وَأَلْعَنُ قَيْدي أَحْرُسُ بابًا… وَأَبْني سِجْني فَكَيْفَ أَرْجو الحُرِّيَّةَ… وَأَنا سَجَّاني؟ أُرَتِّبُ وَجْهي في أَعْيُنِهِمْ وَأَنْسى نَفْسي وَأَحْيا لَهُمْ وَأَخْشَى خُروجي مِنْ سِجْنِهِمْ وَأَخافُ أَنْ أُبْصِرَ وَجْهي دونَهُمْ صَنَعْتُ مِنْ رِضاهُمْ لي مَلامِحًا حَتَّى غَدَوْتُ أَخافُ أَنْ أَخْلَعَها فَكَمْ مِنْ عُمْرٍ عِشْناهُ لِصورَتِنا وَلَمْ نَعِشْ مِنْهُ يَوْمًا لِأَرْواحِنا. فَلا تَكُنْ كَطائِرٍ بِيَدِ جاهِلٍ يَحْبِسُكَ … وَيُسَمِّي القَيْدَ حُبًّا فَإِنْ طَلَبْتَ السَّماءَ… سَمَّاكَ جاحِدًا وَإِنْ حَلَّقْتَ… سَمَّى طَيَرانَكَ ذَنْبًا حَتَّى تُحِبَّ القَفَصَ… وَتَخْشَى السَّماءَ وَتَرى القَيْدَ أَمانًا… وَالحُرِّيَّةَ خَطَرًا فَاكْسِرْ قَفَصَكَ… وَحَلِّقْ فَمَنْ أَحَبَّكَ حُرًّا… لَمْ يَخَفْ جَناحَكَ كَمْ نِعْمَةٍ أَفْسَدَتْ عَيْنًا تَقيسُ وَلا تَرى نَخْشَى الفَشَلَ، فَنَخْتارُ نَجاحًا لا يُشْبِهُنا؛ وَنَبْلُغُ القِمَّةَ الَّتي طَلَبُوها ثُمَّ لا نَجِدُ أَنْفُسَنا لَيْسَ كُلُّ ما اعْتَدْناهُ أَمانًا؛ قَدْ يَكونُ القَيْدُ قَدْ طالَ حَتَّى صارَ جِلْدًا نَرِثُ خَوْفَ الَّذينَ قَبْلَنا ثُمَّ نُوَرِّثُهُ لِمَنْ بَعْدَنا وَنُسَمِّي انْتِقالَ الخَوْفِ بَيْنَ الأَجْيالِ «خِبْرَةً مَنْ قالَ إِنَّ ما وُلِدْتَ عَلَيْهِ هُوَ ما يَجِبُ أَنْ تَموتَ عَلَيْهِ؟ هَلْ نَحْنُ أَبْناءُ اخْتِياراتِنا أَمْ أَبْناءُ أَشْياءَ لَمْ يُسْمَحْ لَنا أَنْ نَخْتارَها؟ حَلِّقْ فَالعُمْرُ لَيْسَ طَريقًا نَمْلِكُهُ لِنَعودَ إِلَيْهِ مَتى شِئْنا؛ هُوَ مَرَّةٌ واحِدَةٌ تَمُرُّ مِنْ بَيْنِ أَيْدينا كَالماءِ إِذا أُفْلِتَ مِنَ الكَفِّ لا يَعودُ إِلى شَكْلِها