سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح التاسع | عدد الآيات: 26
يبدأ الإصحاح بـواحدة من أشهر مرثيات الحزن الإنساني والنبوي في التاريخ، حيث يتمنى إرميا لو تحول جسده كله إلى دموع ليبكي شعبه:
"يا ليت رأسي ماء، وعيني ينبوع دموع، فأبكي نهاراً وليلاً قتلى بنت شعبي!"
وفي نفس الوقت، يشعر النبي بـثقل المعاشرة وسط مجتمع فاسد، فيتمنى لو يجد "مأوى للمسافرين في البرية" (كوخاً صغيراً معزولاً) ليترك شعبه ويهرب من خيانتهم. يصف الرب لسان الشعب بأنه مثل "قوس مشدودة للكذب"، يطلقون سهام الغدر والنميمة؛ يتكلم أحدهم بسلام مع صاحبه بفمه، ولكنه في باطنه يضع له كميناً.
بسبب هذا الفساد، يعلن الله أنه سيمحصهم ويجعل أورشليم "ركاماً" ومأوى لبنات آوى. ويأمر الله باستدعاء "الندّابات" (النساء اللواتي يحترفن البكاء في المآتم) ليأتين ويرفعن مرثاة، لأن الموت قد تسلل عبر النوافذ ودخل القصور، وخطفت الكارثة الأطفال من الشوارع والشبان من الساحات.
ولكن وسط هذا الظلام الدامس والخراب الوشيك، يقطع الله المشهد الإعلاني ليقدم قانوناً روحياً ذو بريق خاص، يوضح فيه أين تكمن القيمة الحقيقية للإنسان وسط تقلبات الحياة وسقوط الممالك:
"لا يفتخرن الحكيم بحكمته، ولا يفتخرن الجبار بجبروته، ولا يفتخرن الغني بغناه. بل بهذا ليفتخرن المفتخر: بأنه يفهم ويعرفني أني أنا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلاً في الأرض، لأني بهذه أسرّ، يقول الرب."
يختم الإصحاح بإنذار صارم بأن العقاب قادم على كل الأمم، وعلى يهوذا أيضاً، لأنهم وإن كانوا مختونين في الجسد، إلا أنهم "غُلف القلوب" (غير مختونين في قلوبهم) ولا طاعة لديهم لله.
✳️ التأمل:هذا الإصحاح يوضح لنا معنى "ألم الخادم الحقيقي"؛ فإرميا ممزق بين محبته العميقة لشعبه وبكائه عليهم، وبين اشمئزازه من شرورهم ورغبته في الهروب منهم. إن تشبيه لسان الإنسان بـ "القوس والسهام" يعكس خطورة الكلمات الماكرة والنميمة التي تقتل العلاقات وتدمر المجتمعات من الداخل قبل أن تأتي الجيوش الخارجية.
أما آية الافتخار العظمى (الآيتان 23 و24) فهي بمثابة بوصلة للحياة؛ فالبشر يميلون دائماً للاعتزاز بثلاث ركائز: الحكمة البشرية (الذكاء/العلم)، القوة (النفوذ/المكانة)، والغنى (المال/الممتلكات). الله لا يحقر من هذه الأشياء بذاتها، لكنه يعلن أنها ركائز "هشة" لا تحمي وقت الأزمات ولا تمنح قيمة أبدية. الفخر الحقيقي والأمان الوحيد ينبعان من شيء واحد: "معرفة الله وفهم فكره"، والتشبه بصفاته في صنع الرحمة والعدل. عندما يمتلك الإنسان هذه المعرفة، يمتلك ثروة لا يمكن لجيوش بابل ولا لتقلبات الزمن أن تسلبها منه.
هل ننتقل للإصحاح العاشر لنرى كيف يسخر إرميا بقوة من الأوثان وصانعيها، ويقارن بين آلهة الخشب الصامتة وبين إله إسرائيل الحي خالق الكون؟